محمد حسين علي الصغير

46

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

المفسر في نفي البدع ، والاصرار على الذنب ، ومحاربة الكبر والهوى وحب الدنيا ، وكان عليه أن يضع هذا في الباب السابق ، والأحرى به هنا أن يتناول مجالات التدبر ، ومصادر التفكر من ذهن متفتق ، وذكاء قادر ، ومحاكمة عقلية ، وطول الأناة ، وحسن التأتي . ودعوة القرآن صريحة إلى التأمل والتدبر والتفكر ، تلمسا لهدايته ، وتعلقا بمداليله ، وحثا على تفهمه العميق . قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ « 1 » وقال تعالى فيما اقتص من خبر إنزاله مباركا على نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ « 2 » ثم لينظر هذا المفسر بعد تدبره متفكرا إلى تحدي القرآن للأمم عامة وللعرب خاصة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) « 3 » ولننظر بعد هذا إلى لغة القطع الصارمة في عدم الآتيان بمثله أنى كانت الأسباب قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) « 4 » . إن تلبث هذا التحدي الإعجازي لما يشحذ الفكر في التدبر بمعاني القرآن ، ويخرج معه المتأمل بثروة فكرية هائلة ، يصل معها إلى طريقة القرآن في تناوله لتأليف الكلام ، وتأنقه في تركيب الجمل ، ودقته في تخيّر الألفاظ ، وإذا تمرس المفسر هذا المناخ : اكتشف أسلوب القرآن في العرض والمعالجة والتأليف ، واعتمد منهجه في النسخ والصياغة والتصوير ، وهذا ما يوقفه على الإحاطة بروائع القرآن الأفرادية والتركيبية ، ويبصره بخصائصه الفنية في التناسق والايقاع . إن استجلاء جمال القرآن ، واستقراء خفايا مكنوناته ، إنما يتأتى في التدبر القائم على النظر التمحيصي ، وفي التفكر الدال على المناظرة

--> ( 1 ) النساء : 82 . ( 2 ) ص : 29 . ( 3 ) البقرة : 23 . ( 4 ) الاسراء : 88 .